القاضي النعمان المغربي

332

المجالس والمسايرات

مدينة القيروان ، ثمّ جاءت الفتنة فقطعت ذلك ، وهمّ المنصور بذلك فهوّل عليه أمره . ثمّ اعتزم المعزّ ( عم ) على إجرائه . وبدأ بالعمل فيه أوّل يوم من المحرّم سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة وذلك يوم الأحد . وقيس ما بين المكان الذي بلغ به القائم إلى المنصوريّة فوجد طوله ثلاثة وسبعين ألف ذراع . فأمر بأن يجري قناة تبنى بالجير « 1 » تأخذ في أسناد « 2 » / جبال وتمرّ على أودية وأوطئة يحتاج فيها إلى آزاج « 3 » يجري الماء من فوقها . واستهال ذلك بعض من حضر . فقال المعزّ ( عم ) : قد هوّل مثل هذا التّهويل على القائم ( عم ) ، وقيل له : واللّه لو جعلت في ساقية من زجاج ما جرت . وقيل للمنصور ( عم ) : يحتاج أن ينفق فوق مائة ألف دينار ، ثمّ اللّه أعلم هل يصحّ جريها أو لا . وكان ذلك سبب تركها . ولا واللّه لا أتركها ولو أنفقت فيها أضعاف ما قيل . واللّه لو علمت أنّ الزّجّاجين يستطيعون لنا بيتا « 4 » من الزجاج لأمرت بعملها ولأجريتها فيها ، ليعلم من يهوّل ذلك أنّه لا يهولني ولا أستعظمه . وإنّما تهيّأ ما تهيّأ لمن تقدّم / من ملوك الأرض من مثل هذه الأعمال ، بالعزم عليها والحزم فيها . ثمّ ذكر ماء جبل زغوان الذي كان يجري في قناة « 5 » قرطاجنة فقال : أما واللّه لو كان لنا هناك ما نستقي به لأصلحت تلك القناة ولأجريته فيها . وإن كان

--> ( 1 ) كذا في « ب » . وفي « أ » تبنى بالجهر والجير . ( 2 ) جمع سند محركة : ما قابلك من الجبل وعلا من السفح . ( 3 ) العقود التي تحمل القناة ، والمفرد أزج . ( 4 ) كذا في النسختين ، ولعلها : يستطيعون بناءها . ( 5 ) انظر عن جبل زغوان : البكري 45 والإدريسي 119 إذ يذكر « أنه أكثر الجبال ماء » . وتعتبر هذه القناة المحمولة على « قناطر » أو « حنايا » من عمل الإمبراطور Hadrien ( انظر عنها F . Rakob , le sanctuaire des eaux a Zaghouan , Africa III - IV p . 133 . Tunis , 1972 , وقد تعطل عملها في أيام الفتح الاسلامي لإفريقية ، وأصلحها المستنصر باللّه الحفصي إصلاحا لم يكن ليتناسب مع ما كانت عليه . وقد وصف الرحالة العبدري عمله بقوله : « انه احتاج إلى إصلاح بعض الحنايا بها مما يلي تونس ليوصل الماء إليها إذ كانت معطلة قبله ، فأقام في عملها مجتهدا بأقصى ما يمكنه أعواما عديدة ولم يمكنه رد ذلك على ما كان عليه ولا ما يقرب منه ، بل اقتنع بتسديده كيفما أمكن مع قلته وتفاهته بالإضافة إلى غيره » ( الرحلة ، 41 ) وقد استأثر بمائها « قصر السلطان وجنانه الا رشحا يسيرا سرب إلى ساقية جامع الزيتونة يرتشف منها في أنابيب من رصاص » ( ص 40 ) . ويظهر من كلام المعز أنه فكر في إصلاح قناة زغوان . وأيضا في جلب ماء زغوان إلى المنصورية ، فلم يقعده إلا خشية قطع الماء على سكان تونس وقرطاجنة .